محمد بن طلحة الشافعي
43
الدر المنتظم في السر الأعظم
« أبثر المضمار ، وجرت الأقدار ، ونفث العلم ، ووعدت الأمم ، وحكم الخالق ، ورشق الراشق ، وحففت الظنون ، وفتن المفتون بما أن سيكون ، ألا وأنّه سيحطّ بالزوراء علجة من بني قنطور بأشرار وأيّ أشرار وكفّار وأيّ كفّار ، قد سلبت الرحمة من قلوبهم ، وكلّفهم الأمل إلى مطلوبهم ، فيقتلون الأبله ، ويشربون الأكمه ، ويذبحون الأبناء ، ويستحييون النساء ، ويطلبون شداد بني هاشم ، يسوقونهم معهم سوق الغنائم ، وتستضعف فتنهم الإسلام ، وتحرق نارهم الشام ، فوآها لحلب من حصارهم ، وواها لخرابها بعد دمارهم ، وسترد الضبا من دمائهم أيّاما ، وتساق سباياهم فلن يجدوا لهنّ عظاما . ويشهدون حصون الشامات ، ويطيفون ببلاد الآفات ، فلم يبق إلّا دمشق ونواحيها ، وترادف الدماء بمشارقها وأعاليها ، ثمّ يدخلونها وبعلبك بالأمان ، وتحلّ المنايا بنواحي لبنان ، فكم من قتيل بالقفر ، وأسير بجانب النهر ، فهنالك تسمع الأعوال وتصحب الأهوال ، فإذا لا تطول لهم المدّة ، حتّى يخلق اللّه من أمرهم الجدّة ، فإذا ناهزهم الجنين الأوج ، وثب عليهم القعدد « 1 » قطز ، وهو رابع العلوج المنفر عليه ، كتابه المظفر بجيش ململة الطمع وكلثمة ، فيسوقهم سوق الهجان ، وينكسر شيطانهم بأرض كنعان ، ويقتل عبوسهم العقف « 2 » ، ويحلّ بجمعهم التلف ، فيجمعون عقب الثبات من تلك الهجمات إلى الفرات ، فيغبرون الواقعة الثانية إذ لا مناص ، وهي الفاصلة المهولة قبل العاص ، لتعونهم على الإسلام الكثرة ، فيخرجون الجوزة والحصباء ، ويخرّبون بعد فتكهم الحدباء . يظهر الحري الحالك من البصرة ، بشرذمة عرب من بني عمرة ، يعديهم إلى الشام وهو مدهش ، فيبايعه على الخديعة الأرعش « 3 » ،
--> ( 1 ) القعدد : الأقرب للجد الأكبر . لسان العرب : 3 / 362 . ( 2 ) العقف : الملتوي أو المنحني . لسان العرب : 9 / 254 . ( 3 ) الرعش : رعدة تعتري الإنسان ، وقيل : الضعف والجبن . العين للفراهيدي : 1 / 255 .